أحمد مصطفى المراغي

79

تفسير المراغي

عليه عمود الغمام حتى تغشى الليل كله ودنا موسى فدخل فيه وقال للقوم ادنوا ، وكان موسى إذا كلمه اللّه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونه بالحجاب ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا فسمعوه وهو يكلم موسى : يأمره وينهاه افعل ولا تفعل ، فلما فرغ إليه من أمره وانكشف عن موسى الغمام ، أقبل إليهم فقالوا لموسى : « لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً » فأخذتهم الرجفة وهي الصاعقة فأتلفت أرواحهم فماتوا جميعا ، فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول : « رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي » قد سفهوا ، أتهلك من ورائي من بني إسرائيل ا ه . ولا شك أن هذه الرواية ونحوها مأخوذة عن الإسرائيليات وليس فيها شئ مرفوع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم . ( أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا ) أي قال موسى لربه مستعطفا : لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا من العناد وسوء الأدب أو من عبادة العجل . وفي هذا إيماء إلى أن عقلاء بني إسرائيل وأصحاب الروية منهم لم يعبدوه إنما عبده السفهاء ، وهم الأكثرون . ( إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ ) أي ما تلك الفعلة التي كانت سببا في أخذهم بالرجفة إلا محنة منك وابتلاء ، جعلته سببا لظهور استعداد الناس وما طويت عليه سرائرهم من ضلال وهداية وما يستحقون عليه العقوبة أو المثوبة بحسب سنتك في خلقك بالعدل والحق ، تضل بمقتضاها من تشاء من عبادك ولست بالظالم لهم في تقديرك ، وتهدى من تشاء ولست بالمحابي لهم في توفيقك ، فأمرهم دائر بين العدل والفضل . ( أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ ) أي أنت المتولّى أمورنا والقائم علينا بما تكتسب نفوسنا ، فاغفر لنا ما تترتب عليه المؤاخذة والعقاب من مخالفة سنتك ،